يرتكز الصراع الدائر بين مصر العظيمة من ناحية وإيران الفارسية وامتداداتها من ناحية أخري علي وجهتي نظر مختلفتين في إدارة الصراع مع إسرائيل.. الأولي تدعو لتطبيق نموذج معاهدة السلام والحل الدبلوماسي والثانية تدعو للتحرير عبر المقاومة المسلحة..
الصراع له جذور.. فالسادات استقبل الشاه عدو الثورة الإسلامية ودفنه في القاهرة بعد أن رفض العالم كله استقباله وهذا لاتنساه طهران.. القاهرة بدورها لاتنسي استقبال طهران لعشرات المتطرفين المصريين اثناء سنوات العنف الديني ورفضها تسليمهم حتي الآن ناهيك عن اللوحة الجدارية الضخمة في طهران التي تحمل صورة خالد الاسلامبولي المدان بقتل الرئيس السادات والذي رفضت إيران تغيير إسم الشارع الذي يحمل اسمه في وسط العاصمة.. كل هذا معروف ومعلن.
لكن الذي لم يكن معلوما لنا أن هناك "نخبة" مثقفة في القاهرة أصبحت تدافع عن المصالح الايرانية ويد حزب الله التي يتصورون انها يد الله مع انها تعيث فسادا في الأرض وتنتهك سيادة الدولة المصرية فلا يحاسبها أحد لأنها "مقدسة" .. إن الاختلاف السياسي الكبير بين مصر وايران يرجع إلي عوامل كثيرة في رأيي.. أهمها أن مصر حريصة علي الهوية العربية بينما تري طهران أن الإسلام يغني عن العروبة. وأن المقاومة هي القانون السياسي والديني الذي ينبغي علي الجميع الخضوع له طائعين.
من ثم فان القبض علي تنظيم حزب الله مؤخرا في القاهرة واعتراف الشيخ حسن بذلك هو مفتاح حل اسباب الصراع بين إيران ومصر.. التنظيم في رأي نصر الله طالما انه يعتمد علي المقاومة فلا جريمة عليه.. اعضاؤه غر محجلون.. واعضاؤه طالما سيقدمون سلاحا يستخدم ضد الصهاينة فهم ملائكة لا يأتيهم باطل من بين ايديهم ولا من خلفهم.. هؤلاء يحق لهم اختراق السيادة المصرية في أي وقت ولايسألون عما يفعلون.. الشيخ حسن ومن ورائه ملالي ايران لايعترفون أنه لايحق لدولة أن تحول أخري إلي ساحة لنشاط سياسي وعسكري.. فمابالك لو كان تنظيماً أو ميليشيا.. هذا مافعله الشيخ دونما اعتبار للسيادة الوطنية لمصر.. ويبدو انه تصور ان اللقب الذي يطلقونه عليه "سماحة السيد" يجعل له السيادة علي عباد الأرض المسلمين وينفذ عليهم وفيهم مشيئة سيده الأعلي مرشد الثورة الخمينية علي خامنئي الذي لايعترف بحق الدول في ممارسة سيادتها علي أراضيها.. ولايعترف للدول بالحق في تطبيق قوانينها.. لقد فهمت من بيان نصر الله الذي بثه يوم الجمعة الماضي انه طالما يساعد الفلسطينيين فان هذا العمل يعلو ولايعلي عليه ويطأ السيادة الوطنية والاقليمية للدول العربية. وعلي هذه الدول ان تخر له ساجدة.
هذا المبدأ الخطير جدا من ايران ومن حزب الله يبيح له اختراق سيادة أي دولة في أي وقت اذا ماشعر ان معركته مع اسرائيل أو أمريكا تلتزم تفجير اعمال إرهابية ضد مصالح غربية في هذا البلد أو ذاك!
أيضا اذا ماشعرت ايران انها في موقف ضعيف وتحت ضغط شديد من أمريكا واوروبا فانها يمكن ان تحول العالم العربي الي ساحة للارهاب ضد الأجانب من خلال خلاياها النائمة في البلدان العربية.
غير ان اقسي مايؤلم النفس البشرية في مصر انه رغم وضوح المقصد الايراني وهدف حزب الله. الا ان هناك كثيراً من ابناء النخبة المصرية باتوا يفضلون النموذج الايراني ويتشيعون لحسن بقو الأمين العام لحزب الله اكثر مما يهتمون لسيادة بلدهم وكرامة قيادتهم.
النخبة عندنا صارت أسيرة لجاذبية مغناطيس الشر القابع في الخارج ويصطاد في الماء العكر هنا.. وسواء كان قطبا المغناطيس ايران وحزب الله أو الجمعيات الاهلية واقباط الخارج أو الاخوان المسلمون وقناة الجزيرة أو مؤسسة الشيخة موزة زوجة أمير قطر لدعم الديمقراطية مع سعد الدين إبراهيم المصري المزدوج الجنسية والمدموغ بختم النسر الأمريكي. أقول أيا كان قطبا المغناطيس فان المنجذب اليهم هم النخبة للأسف.
انني اتذكر عدة محاولات لاختراق مصر علي يد ايران من قبل.. في عام 2005 ادين ضابط الحرس الثوري الايراني محمد رضا دوست وحكم عليه بالسجن غيابيا 15 عاما لدوره في محاولة اغتيال الرئيس مبارك.. كان شريكه المصري محمد عيد دبوس "المسجون حاليا" قد ادلي بتفصيلات حول رصد الاماكن التي يقيم بها الرئيس في شرم الشيخ والاسكندرية.. كما ادلي المتورطون في التنظيم بمعلومات علي انهم كانوا يخططون لتخريب منشآت بترولية سعودية ينطلقون اليها من مصر في اشارة ذات مغزي لتخريب العلاقات بين مصر والسعودية.
الرئيس مبارك هو الذي احيا المحور القومي المصري السعودي وطرح قضية احتلال الجزر الاماراتية الثلاث دوليا واقليميا.
ماتفعله ايران في مصر اليوم وما فعلته سابقا يجب الا يمر مرور الكرام..
الغريب في الاخوة المصريين من النخب المثقفة انهم يدافعون عن ايران . رغم أن قرار الاتهام في قضية التنظيم المشبوه لم يتهم إيران بل حزب الله.
إنني اتعجب لمصريين كبار القيمة من أمثال الأساتذة هيكل وهويدي والزملاء بصحف العربي والدستور وغيرهم.. واسأل نفسي هل تحول المفكرون القوميون العرب إلي تأييد الحزب الإيراني والمشروع الخوميني الذي يدحض السيادة العربية.. أفهم أن تهتف هذه الجماعات لصدام حسين بوصفه حامي البوابة الشرقية والذي اطلق ستة صواريخ علي إسرائيل أثناء حرب تحرير الكويت أسفرت عن اصابة مواطن اسرائيلي واحد! .. واتقبل ان يدافعوا عن عبدالناصر "رغم ان لأحدهم ميولا اخوانية". لكن الذي لا افهمه هو كيفية الجمع بين مشروع القومية العربية ومشروع مناهض ومضاد لها هو المشروع الفارسي.
لقد أتي علي المصريين حين من الدهر أصبحوا يتهمون من يقاوم المشروع الإيراني بخيانة العرب والعروبة! يانهار أسود.
لقد أوقع حسن نصر الله النخبة المصرية في شر أعمالها عندما لعب اللعبة الإيرانية في بيانه الذي ألقاه يوم الجمعة الماضي.
كال الشيخ المديح للشعب المصري ولكنه لم يعترف بالسيادة المصرية.. كنت أتصور أن يهب من بين الكتّاب القوميين المصريين الذين يزعمون الناصرية ويقولون له نحترمك عندما كنت بطلاً للمقاومة ولا يعجبنا تحولك إلي حزب الولي الفقيه أو حزب ايراني.. جرب ياأستاذ هيكل أو ياأستاذ هويدي أو بقية رؤساء تحرير الصحف الخاصة والحزبية ان تمدحوا الشعب الإيراني والحضارة الفارسية "كما فعل أوباما" وتهاجموا القيادة السياسية الإيرانية.. وانظروا ساعتها لما سيقوله لكم حزب الله.. وما ستعلنه عليكم طهران.
لقد صور لنا الشيخ حسن بقو المتهم سامي شهاب باعتباره "بابا نويل" شيعي توجه إلي غزة لاعطاء هدايا لأبطال المقاومة هناك رشاشات وصواريخ وغير ذلك.. انه أول "بابا نويل" في العالم يقدم الهدايا متفجرات ودماراً.. أول "بابا نويل" يحمل الألغام ويعطل السفن في قناة السويس.. وللأسف الشديد ظهر وكأن بعض الصحفيين ينتظرون هداياه ففرحوا بها وذابوا عشقاً في "بقو" وخامنئي وسلخوا من قلوبهم وأكبادهم عشق هذا الوطن الجميل.
للأسف الشديد لقد قال هيكل لصحفه التي تسبح بحمده إن اللقاء مع نصر الله تم قبل انفجار قضية بابا نويل الشيعي سامي شهاب الذي أرسله حسن زعبله للاحتفال بحصد أرواح المصريين وأرزاقهم والذي سقط في براثن المخابرات قبل أن يفك "مخلته".. مع أن الأستاذ كان يعلم انه تم القبض علي تنظيم يضم لبنانيين في مصر وأشارت صحف خاصة إلي انهم ينتمون إلي حزب الله. لذا كان علي الأستاذ علي الأقل أن يتجنب مواطن الشبهات. ولكنه للأسف بدلاً من تبديد الشكوك زادها عندما جلس مع الشيخ حسن وقتا قيل انه ست ساعات وذكر انه أقل!
ان في مصر رجالاً عاهدوا نصر الله علي الولاء له ولإيران.. إن في مصر محبين ودراويش لآيات الله ويزعمون أن ذلك سببه خوف إسرائيل من طهران!
وفي مصر من يعمل لصالح قنوات إيرانية متصوراً ان الدولار الإيراني حلال.. والأمريكي حرام.. مع أن العملة ليس لها دين ولا جنسية.. إيران كما قلت أكثر من مرة لها أقلام وقلوب وعقول في بر المحروسة.. بئس بهم من مصريين باعوا وطنيتهم بالمال الطاهر. رغم انهم يعلمون أن أي نقود أو هدايا أو شاليهات أو فيلات يسدد ثمنها قوي الخارج فهي نقود حرام وملوثة.
لقد وصل الحال ببعضنا أن طالب بالكف عن مهاجمة الشيخ حسن ومعاملته "بحيادية".. اللون الرمادي لا ينفع مع حزب الله أو إيران.. فيما يتعلق بالوطن اما أن تكون مكللاً بالبياض الناصع أو مدموغا بالسواد القاتم.
لقد سمعت في لندن مؤخراً من يقول إن إيران اشترت "جيمس جالاوي" النائب بمجلس العموم البريطاني الذي أدخل قافلة اغاثة لغزة قبل ثلاثة أسابيع وأن قناة "العالم" كانت الوحيدة المرافقة للقافلة وكانت تدفع أسبوعياً تذكرة ذهاب وعودة لجالاوي ليعود للندن لإنهاء أعماله ثم العودة للقافلة من جديد!.. وإذا عرفنا أن "جالاوي" كان صديقا لصدام حسين ودفع له الملايين. فإنه أصبح الآن صديقاً "لإيران" وربما يتحول بعدها لدولة أخري.
لذلك فإنني أربأ بأبناء بلدي أن يكونوا مثل هذا الذي تحدثت عنه.. ودعونا كما قلت من قبل نقدم الوطن علي الحكومة.. البلد أهم من سوء الأوضاع الاقتصادية.
إن ما حدث من دفاع عن تنظيم نصر الله الإرهابي سيكون مقدمة للهجوم علي قانون مكافحة الإرهاب عند مناقشته في البرلمان حيث سيرفضه من لا يحبون مصر باعتباره قيداً علي الحريات الخاصة.
إذا كنتم تريدونها "سداحاً مداحاً" فلن يحدث ذلك لأن الله حفظها ولن يضرها أمثالكم!!
الجمهــــوريه